ابن العربي

509

أحكام القرآن

يقول : لا تلتفتوا في الرّحم قربت أو بعدت في الحق كونوا معه عليها ، ولولا خوف العدل عنه لها لما خصوا بالوصية بها ، وذلك قوله سبحانه - وهي : المسألة الثانية عشرة - فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا : معناه لا تتبعوا أهواءكم في طلب العدل برحمة الفقير والتحامل على الغنىّ ، بل ابتغوا الحقّ فيهما ، وهذا بيان شاف . المسألة الثالثة عشرة - قوله تعالى : وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا : المعنى إن مطلتم حقّا فلم تنفذوه إلّا بعد بطء ، أو عرضتم عنه جملة فاللّه خبير بعملكم . يقال لويت الأمر ألويه ليّا وليّانا ، إذا مطلته ، قال غيلان « 1 » : تطيلين ليّانى وأنت مليّة * وأحسن يا ذات الوشاح التقّاضيا وقرأ حمزة والأعمش « 2 » : وإن تلوا ، والأول أفصح ، وأكثر ، وقد ردّ إلى الأول بوجه عربي ؛ وذلك أن تبدل من الواو الآخرة همزة فتكون تلوؤا ، ثم حذفت الهمزة وألقيت حركتها على الواو ، والعرب تفعل ذلك . وقيل : إن معناه تلوا من الولاية ، أي استقللتم بالأمر أو ضعفتم عنه فاللّه خبير بذلك . الآية السادسة والخمسون - قوله تعالى « 3 » : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا . هذا خبر ، والخبر من اللّه سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره ، ونحن نرى الكافرين يتسلّطون على المؤمنين في بلادهم وأبدانهم وأموالهم وأهليهم ، فقال العلماء في ذلك قولين : أحدهما : لن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا في الحجة ، فلله الحجة البالغة . الثاني - لن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا في الحجة يوم القيامة . قال القاضي : أمّا حمله على نفى وجود الحجة من الكافر على المؤمن فذلك ضعيف ؛ لأنّ وجود الحجة للكافر محال ، فلا يتصرّف فيه الجعل بنفي ولا إثبات . وأما نفى وجود الحجة يوم القيامة فضعيف ؛ لعدم فائدة الخبر فيه ؛ وإن أوهم صدر الكلام معناه ؛ لقوله : فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فأخّر الحكم إلى يوم القيامة ،

--> ( 1 ) ذو الرمة ، والبيت في اللسان - لوى . وديوانه : 651 ( 2 ) إعراب القرآن للعكبرى : 198 ( 3 ) من الآية الواحدة والأربعين بعد المائة .